عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

435

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى قوله : « إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ » ] من قرأ بالإضافة فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة إن لم يعملوا لها « 1 » ، والذّكرى بمعنى الذكر . قال مالك بن دينار : نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها ، وقال قتادة : كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى اللّه عزّ وجلّ . وقال السدي : أخلصوا الخوف للآخرة ، وقيل : أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة ، قاله ابن زيد . ومن قرأ بالتنوين فمعناه بخلّة خالصة وهي ذكرى الدار فتكون « ذِكْرَى الدَّارِ » بدلا عن الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما اخترنا من ذكر الآخرة « 2 » . والمراد بذكرى الدار : الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة . وقيل : ( إنهم ) « 3 » أبقي لهم الذكر الجميل في الدنيا ، وقيل : هو دعاؤهم « وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ » « 4 » . قوله : « وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ » أي المختارين من أبناء جنسهم ، والأخيار : جمع خير أو خيّر - بالتثقيل والتخفيف - كأموات في جميع ميّت أو ميت . واحتج العلماء بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارا على الإطلاق وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء « 5 » منه . قوله تعالى : وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ وهم ( قوم ) « 6 » آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين اللّه ، وقد تقدم شرح أصحاب هذه الأسماء في سورة « الأنعام » « 7 » . قوله تعالى : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 49 إلى 54 ] هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ( 51 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ( 52 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ ( 53 ) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) قوله : « هذا ذِكْرٌ » جملة جيء بها إيذانا بأنّ القصّة قد تمّت وأخذ في أخرى وهذا كما فعل الجاحظ في كتبه « 8 » يقول فهذا باب ثم يشرع في آخر ويدل على ذلك أنه لما

--> ( 1 ) هذا في معالم التنزيل للبغوي 6 / 61 . ( 2 ) البغوي السابق 6 / 61 ، 62 وزاد المسير 7 / 146 والقرطبي 15 / 218 . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) الرازي 26 / 217 . ( 5 ) السابق . ( 6 ) سقط من ب . ( 7 ) انظرها بالتفصيل من خلال الآيات 82 إلى آخر الآية 87 . وانظر : اللباب 3 / 37 . ( 8 ) مشى المؤلف وراء السمين الحلبي حيث جعل القرآن مشبها وكلام الجاحظ المؤلف مشبها به ولا يليق أن نشبه القرآن بغيره .